الابتلاءات: رسائلُ محبّةٍ من المعبود
السلام عليكم أيها الأولاد،
لا تتعجّبوا من كثرة الابتلاءات في هذه الدنيا، لتصيبَ القلوب كما تصيبُ الأجساد.
فهذه الدنيا ليست إلاّ دارَ امتحان،
تُختَبَرُ فيه النفوس، وتُطهَّر، ثم تُرفع إلى ربّها،
بحكمة العليّ القدير، التامة الكاملة.
علّمنا تعالى في كتابه الكريم أن البلاء جزءٌ من طبيعة هذه الحياة، يصيبُ الجميع بلا استثناء، لأنه مدرسةُ النفس وميدانُ تربيتها.
ولكن لمن يرى بعين القلب، فإن كلّ ابتلاءٍ رسالة محبّةٍ على الحقيقة، وعلامةً خفيّة من عطف الله على عبده.
قال تعالى في سورة البقرة:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٥٥﴾ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
يبتلي تعالى عباده تارة بالسراء، وتارة بالضراء، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه.
هذه الابتلاءات ليست عقوبات بالنسبة للقلوب المخلصة،
بل هي غالبا رسائلُ محبّةٍ من الله إلى أحبابه، يريد بها أن يُطهّر قلوبَهم، ويُحرّرَهم من قيود الدنيا، ويقرّبهم إليه، طوعا أو كرها.
قال صلى الله عليه وسلم:
«إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه »
(رواه الترمذي)
وقال قال صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ
(رواه الترمذي وابن ماجه)
وأنصتوا إلى هذا الحديث الشريف الذي يُبين مقام الصبر عند أوّل صدمة:
روى أنس بن مالك رضي الله عنه:
أن النبيُّ ﷺ مرّ بامْرَأَةٍ تبكي عند قبر،
فقال لها:
«اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي»
قالَتْ ـ ولم تعرفه:
«إلَيْكَ عَنِّي! فإنَّكَ لَمْ تُصَبْ بمُصِيبَتِي»
فقيل لها: إنه رسول الله ﷺ.
فأتت إليه وقالت:
«لم أَعْرِفْكَ»
فقال لها:
«إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى»
(رواه البخاري ومسلم – وفي رواية: كانت تبكي ولدها)
يا بُنيّ،
يالها من حكمة جليلة…
الصبر الحقيقي هو ما يكون في أول لحظة،
حينما لايزال القلب نازفا، لكنه يختار أن يتوجّه إلى الله رغم كل شيء.
فلا تنظروا أولادي الأعزاء، إلى البلاء على أنه شرّ،
بل على أنه دعوةٌ إلهية،
يدٌ ممدودة من المحبوب،
تدعوك للرجوع إليه بمحبةٍ، وتسليمٍ، وثقةٍ.
ففي الألم الصادق، يكشف تعالى أنه أقرب إلى عبده من كل وقت،
وفي الصبر، يرفع مقامك، ويطهّرك، ويغمرك بنور رحمته.
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
خادم التذكرة وطريق القلب
