التوسل في المدرسة السنية،  طريق مشروع نحو الرحمة الإلهية

مقدمة

التوسل هو طلب القرب من الله تعالى بواسطة وسيلة مشروعة، كعمل صالح، أو اسم من أسمائه الحسنى، أو عبد اصطفاه الله وقرّبه.

وهذه الممارسة ثابتة بأصولها في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة الصحابة، وأقوال كبار علماء أهل السنة والجماعة.

وخلافا لبعض الانتقادات المعاصرة، فإن التوسل لا يناقض التوحيد الخالص ولا السنة النبوية، بشرط أن يكون القلب معترفا ومقرا بأن الله وحده هو المعطي والمجيب، وأن الوسيلة ما هي إلا سبب للوصول لأجل مقامها وقربها.

1. التوسل في القرآن الكريم

قال الله تعالى في سورة النساء:

{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}[ النساء: 64]

هذا النص صريح في أن طلب المغفرة عند النبي (صلى الله عليه وسلم) مقرونًا باستغفاره لهم، سبب لنيل قبول الله تعالى.

وقد أقرّ بذلك كبار المفسرين كابن كثير، والنووي، والقرطبي، وأكدوا استمرار سريان هذه الآية ولوبعد وفاته (صلى الله عليه وسلم).

2. القرآن يأمر بطلب الوسيلة

قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

[المائدة: 35]

والوسيلة عند المفسرين كالطبري، والقرطبي، وابن كثير الأعمال الصالحة، والدعاء، وتشمل الوسيلة الأشخاص المرضيين عند الله تعالى من الأنبياء والأولياء.

3. التوسل في السنة النبوية الصحيحة

ورد في حديث الأعمى المشهور، رواه الترمذي وغيرُه، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علّمه دعاءً يتوسل فيه به:

اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة… يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه…

وهذا الحديث صحيح، وهو دليل صريح على مشروعية التوسل، علّمه النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه.

4. الأعرابي عند قبر النبي

قال ابن كثير في تفسيره:

جاء أعرابي إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:

قرأت قول الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ… }، فجئتُك مستشفعًا بك إلى ربي.

فرآه العتبي في المنام، وقال له النبي (صلى الله عليه وسلم):

بشّر الأعرابي بأن الله قد غفر له

وقال الأعرابي في شعره:

يا خيرَ من دُفنتْ في الأرض أعظُمهُ

فطابَ من طيبهنّ القاعُ والأكمُ

نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنه

فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ

وقد أقرّ هذا الأثر أئمةٌ كالإمام النووي، والقرطبي، وابن قدامة وغيرهم.

5. توسل الصحابة

في كتاب “الأدب المفرد“ للبخاري:

أنه خدرت رجل ابن عمر (رضي الله عنه) ، فقيل له:

اذكر أحب الناس إليك

فقال: “يا محمد“،

فكأنما نشط من عقال.

6. الإمام مالك ووجهة الدعاء

سأل الخليفة أبو جعفر المنصور الإمام مالك بن أنس:

أأتوجّه إلى القبلة عند الدعاء أم إلى قبر النبي؟

فأجابه الإمام مالك:

ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إِلى الله ؟

7. الاستسقاء عند قبر النبي

روى ابن أبي شيبة والبيهقي:

أنه في زمن القحط، أتى رجلٌ إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال:

يا رسول الله، استسق لأمتك.

فرآه في المنام، وأخبره بأن المطر سينزل.

وقد قبل هذا الخبر علماء كبار مثل ابن حجر، والسبكي، والقسطلاني وغيرهم.

8. التوسل بالأولياء الصالحين

لا يقتصر التوسل على النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل يجوز ـ بشروط الاعتدال والإخلاص ـ التوسل بعباد الله الصالحين، أحياءً كانوا أو أمواتًا، ما دام القلب موقنًا أن الله وحده هو المجيب.

وقد أفتى بجوازه عدد من أئمة أهل السنة، منهم:

  • الإمام النووي،
  • الإمام ابن حجر الهيتمي،
  • الإمام السيوطي،
  • الإمام تقي الدين السبكي،
  • وغيرهم من أعلام أهل السنة والجماعة.

علاوة على هذه النصوص، جرى العمل على التوسل عند أهل التصوف الصادق، وتناقله مشايخ الطرق الروحية، وأكّده شيخُنا الحبيب، سيدنا أحمد التجاني (قدّس الله سرّه)، ضمن تعاليمه المباركة، وبيّن مشروعيته.

فما دام القلب يعترف بأن الله وحده هو المجيب، وأن الولي ليس إلا وسيلة اصطفاها الله، فإن التوسل بالصالحين مشروع، وهو مظهر من مظاهر المحبة الصادقة والوفاء لأولياء الله،

وبفضله تعالى ورحمته تُستجاب الدعوات بمن يحبّهم ويقربهم.

الخاتمة

إن الأدلة التي قدّمناها – المستقاة من القرآن الكريم، والسنّة النبوية، وأقوال الصحابة، وآراء الأئمّة – كافية لإضاءة قلوب الصادقين، وتبديد شكوك الشاكين، وترسيخ الطمأنينة في نفوس سالكي طريق الاعتدال.

وهي دعوة لنبذ الجدالات العقيمة التي تضرّ بوحدة المؤمنين، وتذكير لطيف أن العلم كله عند الله وحده، وأن الحق لا يُقاس بالعاطفة، بل بنور الأدلة والبراهين.

في الحقيقة، التوسُّل ليس بدعة، ولا يُعدُّ مساسًا بتوحيد الله تعالى، بل هو سُنّةٌ شريفة، متأصِّلة في ممارسات الأنبياء، والصحابة، وأهل العلم، والأولياء المقرّبين، وهو طريق إلى رحمة الله، من خلال الوسائل التي رضيها سبحانه وتعالى.

ولأولئك الذين يرفضونه عن جهلٍ أو عن غيرةٍ في غير محلّها، نذكّرهم بأن احترام اختلاف الآراء داخل الإسلام هو علامة للتقوى وللنضجٍ الروحيّ، أمّا الذين يؤمنون به ويعملون به، فنقول لهم: واصلوا بإخلاص، ونقاء نيّة، وتمسّك بالسُّنّة.

ونحن، كمالكيّين، نستند إلى الرأي المستنير لإمامنا مالك بن أنس (رحمه الله)، الذي أجاز التوسُّل بالنبي ﷺ في حياته وبعد وفاته، وقد أجاب أبا جعفر بقوله:

توجَّه إليه، فإنه وسيلتك إلى الله، كما كان وسيلة أبيك آدم

وكتجانيّين، ننهل من ينابيع كلمات شيخنا النورانية، سيدي أحمد التجاني (قدّس الله سرّه)، الذي قال بوضوح لا لبس فيه:

من توجّه مخلصا إلى النبي ﷺ، فلن يُردّ.

نسأل الله أن تبقى قلوبنا معلّقةً بأحبّائه، وأن لا تُصرف نفوسُنا عن الذين اختارهم لنا ليدلّونا عليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

العبد الفقير إلى الله،

وتلميذ الشيخ أحمد التجاني (قدّس الله سرّه)،

محمد المنصور المحيي الدين التجاني