الصحبة الصالحة، وخطر صحبة السوء

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

ولدي العزيز،

اعلم أن الصحبة لا تخلو أبدًا من تأثير في القلب.

فالإنسان يتأثر بمن يخالطهم؛ فكلماتهم، واهتماماتهم، وعاداتهم وأحوالهم، تترك فيه شيئًا فشيئًا أثرًا وبصمة.

ولهذا، إذا كنت تريد بصدق أن تسلك الطريق إلى الله تعالى، فكن منتبهًا إلى من تتخذهم أصحابًا. ولا تنظر فقط إلى المحبة التي تربطك بهم، بل انظر قبل ذلك إلى الاتجاه الذي تدفع صحبتهم قلبك إليه.

أفضل الصحبة هي صحبة الحبيب المصطفى ﷺ

فوق كل صحبة صالحة، تأتي صحبة الحبيب المصطفى ﷺ، إذ لا أحد يهدي إلى الله خيرًا من الذي أقامه الله تعالى بنفسه هاديًا وقدوةً لعباده.

قال الله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(سورة آل عمران، 3:31)

وقال الله تعالى أيضًا:
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
(سورة الأحزاب، 33:21)

وقال الحبيب المصطفى ﷺ:
لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.
(رواه البخاري ومسلم)

وهكذا، فإن أفضل الصحبة هي صحبة الحبيب المصطفى ﷺ: أن تتبع سنته، وتسير على أثره، وتتخلق بأخلاقه، وتحب ما يحبه، وتترك ما يكرهه.

صحبة حبيبنا الشيخ أحمد التجاني

ثم تأتي للسالك صحبة حبيبنا سيدي أحمد التجاني، قدّس الله سره : وذلك باتباع طريقته، والتعلق بتعليمه وتربيته، فهما يوجهان التلميذ إلى الله تعالى من خلال اتباع الحبيب المصطفى ﷺ وسنته الشريفة.

فاتباع طريقة شيخنا ليس ابتعادًا عن النبي ﷺ، وإنما هو تعلم كيفية السير إلى الله تعالى بمزيد من التعلق بنموذجه الشريف، وسنته وتعاليمه.

والصحبة الصالحة هي التي تقربك من هذا التعليم، وتنشط حالك في السير إلى الله، وتقوي فيك محبة الحبيب المصطفى ﷺ واتباعه.

كن مع الصادقين

قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
(سورة التوبة، 9:119)

وقال الله تعالى أيضًا:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
(سورة الكهف، 18:28)

ولدي العزيز،

الصحبة الصالحة هي التي تذكرك بالله عندما تنسى، وتحفزك عندما تضعف، وتنصحك عندما تضل، وتعينك على حفظ الأدب والطاعة أمام رب العالمين.

فلا تتخذ صاحبًا لا ينشط حالك بحضرته، ولا توجهك كلماته إلى الله.

بل ابحث عن صحبة من توقظك حضرته، ويقوي حاله همتك، وترجعك كلماته إلى الله.

اللسان يكشف توجه القلب

اللسان ترجمان القلب؛ فهو يُظهر توجهه وما سكن فيه.

فاستمع جيدًا إلى كلام من تصاحبه، واسأل نفسك:
هل يوجهك إلى الله أم يوجهك إلى أمور الدنيا؟

فمن يشغل الله قلبه، يتحدث بما يقرب إلى الله، ويذكّر بنعمه، ويحث على طاعته، ويوجه إلى مرضاته.

أما من استحوذت الدنيا على قلبه، فإن كلامه غالبًا ما يعود إلى الأمور التي تشغل قلبه.

وهكذا، يمكنك أن تتعرف على جانب من حقيقة حال الإنسان من خلال كلامه؛ لأن ما يحتويه القلب ينتهي به الأمر إلى الظهور على اللسان.

فالكلام يدل على وجهة، والصحبة قد تسوق قلبك في تلك الوجهة.

التنافس في الخير

قال الله تعالى:
وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
(سورة المطففين، 83:26)

نافس في الخير من يسير إلى الله، وليس من توجه قلبه إلى الدنيا.
من نافسك على الدنيا فاتركها له.

انظر إلى من تتخذه صاحبًا

قال الحبيب المصطفى ﷺ:
«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.»
(رواه أبو داود والترمذي)

ولدي العزيز،

انظر بعناية إلى الذين تصاحبهم.

فإن كانت صحبتهم تزيد فيك الصلاة، والذكر، والحياء، والإخلاص، والصبر، وتعظيم حدود الله، ومحبة رسوله ﷺ، فاشكر الله على هذه الصحبة.

أما إذا كانت مخالطتهم تغذي فيك حب الدنيا، والغفلة، وسوء الكلام، والغيبة، واتباع الشهوات، والمعصية، أو البعد عن الله، فالحذر على قلبك.

فالصحبة التي تظنها اليوم أمرًا يسيرًا، قد تترك غدًا أثرًا عميقًا في قلبك.

ستكون مع من أحببت

ولدي العزيز،

احذر أيضًا مما يحبه قلبك، فالصحبة لا تقتصر على من تجلس معه؛ فالقلب أيضًا يصاحب من يحبه.

قال الحبيب المصطفى ﷺ:
الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ
(رواه البخاري ومسلم)

وفي صيغة أخرى صحيحة:
أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ
(رواه البخاري ومسلم)

إذن، لا تنظر فقط إلى من تصاحب، بل كذلك إلى من تحب.

ليتعلق قلبك بالحبيب المصطفى ﷺ، وبالصادقين، والصالحين، وبمن يقودونك إلى الله.

فالمحبة تربط القلب بالمحبوب، وقد أخبرنا الحبيب المصطفى ﷺ بهذه الكلمة العظيمة:
«ستكون مع من أحببت.»

حامل المسك ونافخ الكير

قال الحبيب المصطفى ﷺ:
«مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، أو تبتاع منه، أو تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحًا خبيثة.»
(رواه البخاري ومسلم)

لو لم تأخذ شيئًا بقصد من الصاحب الصالح، قد يصلك من طيبه وعطره.

ولو لم تتعمد تقليد صاحب السوء، قد يصل إليك رغم ذلك شيء من دخانه.

وهكذا هي القلوب: يؤثر بعضها في بعض.

الندم على الصحبة السيئة

قال الله تعالى:
يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۝ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
(سورة الفرقان، 25:28-29)

يا لها من كلمة مخيفة:
«يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا!»

فالصحبة التي كانت تبدو ممتعة في الدنيا تصبح حينئذ سببًا للندم.

ولدي العزيز،

لا تختَر أصحابك بناءً على المحبة التي تحملها لهم فقط.

واسأل قلبك:

هل يقربني هذا الشخص من الله أم يبعدني عنه؟

هل كلامه يوقظ قلبي أم يغذي غفلتي؟

هل حضوره ينشط حالي في السير إلى الله أم يضعفه؟

هل اهتماماته توجه قلبي إلى الله أم إلى الدنيا؟

بعد مخالطته، هل أصبحت أكثر استعدادًا لطاعة الله، أم أصبحت العبادة أثقل عليّ؟

الصحبة الصالحة ليست هي التي توافقك على كل أقوالك وأفعالك.
بل الصاحب الحقيقي هو الذي يريد لك الخير عند الله، وينصحك بحكمة عندما يرى منك خطأً، ويساعدك على الرجوع إلى ربك.

وأنت أيضًا، اجتهد أن تكون صاحبًا صالحًا للآخرين.

كن ممن تذكّر صحبتهم بالله، وتزرع كلماتهم السكينة، ويصلح نصحهم الحال، ويدفع سلوكهم إلى فعل الخير.

فإن القلوب ضعيفة، والطريق إلى الله يحتاج إلى حماية الأبواب التي تدخل منها المؤثرات.

فاختر الصحبة التي تعينك على السير إلى الله.

نسأل الله أن يرزقنا صحبة الصادقين وأهل الخير، وأن يثبتنا على اتباع حبيبه المصطفى ﷺ، وعلى طريق وتعليم حبيبنا الشيخ أحمد التجاني، قدّس الله سره، وأن يحفظ قلوبنا من كل صحبة تبعدنا عنه.

آمين.

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره؛
محمد المنصور المحيي الدين التجاني