تأملات – الحليب
قال الله تعالى:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ
(سورة النحل، الآية 66)
تأمّل، يا بُنيّ…
انظر بعين القلب إلى ما غفل عنه البصر. ذلك اللبن النقي، العذب، المغذي، يخرج من بطن البهيمة، بين مجاري الدم والقاذورات، من الذي أمر هذه العناصر المتضادة أن تُنتج هذا الصفاء؟ ومن الذي وضع في الأمعاء هذا السر الذي لا يدركه العقل إلا بنور الإيمان؟
أتعلم يا بُنيّ أن الضرع يصنع اللبن من عناصر غذائية يستخلصها من الدم؟ ولإنتاج لترٍ واحدٍ من اللبن، يرشح الضرع نحو ثلاثمئة لترٍ من الدم، وإذا كانت البقرة تنتج في اليوم ما يقارب عشرين لتراً من اللبن، فإن ستة آلاف لتر من الدم تمرُّ عبر ضرعها كل يوم.
أليس هذا من عجائب القدرة ؟ يالها من حكمة إلهية في هذه الخيمياء الصامتة !
يا بُنيّ، تعلّم من البقرة المستسلمة ما نسيتَه نفسك: أن النور قد يخرج من الظلمة، وأن الطهارة قد تنبع من موضع الدنس، إذا أراد الله.
فاللبن لا يختلط بالدم ولا بالفرث، بل يُفصل ويُنقّى ويوجَّه إليك رحمةً من الرحمن.
وكذلك نفس المؤمن، وإن غاصت في عالم الشهوات والاضطراب، فإنّها، بإرادة المعبود، قد تُنتج نورًا داخليًا، لبنًا روحيًا، ذوقا من الحلاوة السماوية — بشرط أن يُسلم أمره لله الوالي، كما استسلمت البهيمة لخالقها.
يا بُنيّ، اعلم أن الدم يسير في العروق، والبول ينتهي إلى المثانة، والنجاسة تُطرح في الجوف، أما اللبن، فيسلك طريقًا طاهرًا، شريفًا، مقدّسًا.
فكن كاللبن: لا تختلط بما يفسدك، وسِرْ دومًا نحو من خلقك بحكمة.
فالله هو الذي يفصل، ويطهّر، ويطعم.
وفي كل مخلوقٍ، وضع آيةٌ لمن يتفكّر.
قال تعالى: هَٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ
[ لقمان: 11]
⸻
كتبه الفقير إلى الله،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني،
خادم في طريق سيدي أحمد التجاني (قدّس الله سره)
