تَعْلِيمٌ لِأَولادي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.

تَعْلِيمٌ لِأَولادي ✦

وَمَا أَدْرَاكَ و وَمَا يُدْرِيكَ

الحروف خزائن، وأنوار الفهم في داخلها

⸻

أولادي الأعزاء،

عندما تقرؤون القرآن الكريم، فلا تكتفوا بمجرد تلاوة آياته، بل انتبهوا إلى الطريقة التي يعلّم بها الله سبحانه وتعالى حبيبه، سيدنا محمدًا ﷺ، ومن خلاله يعلّم أمته.

ومن العبارات البديعة التي ستجدونها في القرآن:

وَمَا أَدْرَاكَ

أي: «وما أعلمك؟» أو «وما الذي أطلعك على كنهه؟»

وقد لفت العلماء الانتباه إلى هذه الخصيصة، فقالوا: عندما يستعمل الله تعالى في القرآن عبارة:

وَمَا أَدْرَاكَ

فإنه بعد ذلك يُعرِّف بما يتحدث عنه.

وقد تأتي الإجابة مباشرة، أو يُفصَّل فيها في الآيات التي تليها.

⸻

بعض الأمثلة على وَمَا أَدْرَاكَ

ليلة القدر

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
[سورة القدر: 2-3]

يطرح الله السؤال، ثم يأتي الجواب مباشرة.

⸻

يوم الدين

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[سورة الانفطار: 17-19]

⸻

الطارق: النجم الثاقب

قال الله تعالى:
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ۝ النَّجْمُ الثَّاقِبُ
[سورة الطارق: 1-3]

وهنا أيضًا يأتي الجواب مباشرة:

النَّجْمُ الثَّاقِبُ

⸻

سِجِّين

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ۝ كِتَابٌ مَرْقُومٌ
[سورة المطففين: 8-9]

⸻

عِلِّيُّون

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ۝ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ۝ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
[سورة المطففين: 19-21]

⸻

العقبة: الطريق الشاق

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ ۝ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۝ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۝ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ⸻

الحُطَمَة

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ۝ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ۝ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
[سورة الهمزة: 5-7]

⸻

القارعة

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ۝ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ۝ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[سورة القارعة: 3-5]

ثم يقول الله تعالى في السورة نفسها:

وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝ نَارٌ حَامِيَةٌ
[سورة القارعة: 10-11]

⸻

سَقَر

قال الله تعالى:
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ۝ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ۝ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
[سورة المدثر: 27-29]

⸻

الحاقّة

قال الله تعالى:
الْحَاقَّةُ ۝ مَا الْحَاقَّةُ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ
[سورة الحاقة: 1-3]

ثم يفصّل الله تعالى، تأتي في الآيات التالية الأحداث المتعلقة بهذه الحقيقة العظيمة.

ثم يبيّن الله تعالى بفضله في الآيات التالية الأحداث المتعلقة بهذه الحقيقة العظيمة.

وهكذا، فليست الإجابة دائمًا موجودة في الآية التي تليها مباشرة، بل قد يأتي تفصيلها في مجموع الآيات والسياق الذي يليها.

⸻

الفرق بين وَمَا أَدْرَاكَ و وَمَا يُدْرِيكَ

أولادي الأعزاء،

ستجدون أيضًا في القرآن الكريم عبارة قريبة جدًا منها:

وَمَا يُدْرِيكَ

وقد ذكر العلماء فرقًا مهمًا بين هذين التعبيرين.

ففي قوله:

وَمَا أَدْرَاكَ

يأتي بعده تعريفٌ بما يتحدث الله عنه.

أما قوله:

وَمَا يُدْرِيكَ

فلا يلزم منه أن تُكشف بعده حقيقة الأمر المذكور.

⸻

بعض الأمثلة على وَمَا يُدْرِيكَ

من جاء يطلب التزكية

قال الله تعالى:
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَىٰ
[سورة عبس: 3-4]

انتبهوا هنا إلى قوله تعالى:

لَعَلَّهُ

⸻

العلم بموعد الساعة

قال الله تعالى:
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
[سورة الأحزاب: 63]

انظروا جيدًا، يا أبنائي.

قال الله تعالى:

إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ

فهو سبحانه يخبر عن احتمال قرب الساعة، لكنه لا يكشف موعدها.

⸻

وقال الله تعالى أيضًا:
اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
[سورة الشورى: 17]

وهنا أيضًا يُذكر قربها، لكن وقتها الدقيق يبقى في علم الله تعالى.

⸻

قاعدة ينبغي أن تتذكروها

أولادي الأعزاء، تذكّروا هذا الفرق:

وَمَا أَدْرَاكَ

يبين الله تعالى بعد ذلك ما يتحدث عنه

وَمَا يُدْرِيكَ

لا يلزم منه أن تُكشف بعده حقيقة ما ذُكر.

وقد ذكر أهل العلم في معنى هذه القاعدة:
ما قال الله فيه : «وما أدراك»، فإن الله تعالى قد أعلمه وبيّنه لنبيه ﷺ وما قال فيه: «وما يدريك»، فإنه لم يُعلمه إياه بالضرورة.

⸻

الحروف خزائن

أولادي الأعزاء،

هنا ينبغي أن تتعلموا أمرًا آخر مهمًا عندما تفتحون كتاب الله تعالى.

لا تقفوا عند ظاهر الحروف والكلمات فقط.

فالحروف خزائن، وأنوار الفهم في داخلها.

فالذي لا ينظر إلا إلى الخزانة يرى الحروف ويتلو الكلمات، أما من فتح الله عليه، فإنه ينال بفضله نصيبًا من أنوار فهم كلامه سبحانه.

تأملوا:

وَمَا أَدْرَاكَ

و:

وَمَا يُدْرِيكَ

ففي الظاهر قد تبدو العبارتان متقاربتان جدًا.

ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف في الحروف وفي صيغة التعبير يفتح لنا بابًا إلى فهم أعمق.

ولهذا، لا ينبغي أن نمرّ سريعًا على حروف كتاب الله.

فالحروف خزائن.

فاسألوا الله أن يرزقكم أنوار الفهم التي تمكّنكم من إدراك هدايات كلامه وتعاليمه.

التلاوة تجعل الحروف تمرّ على اللسان.

والتدبر يدعو القلب إلى الوقوف عندها.

أما أنوار الفهم، فهي فضل يمنحه الله لمن يشاء.

⸻

القرآن يفسّر القرآن

عندما تجدون كلمة أو آية من كلام الله لا تفهمونها مباشرة، فلا تتسرعوا في تفسيرها من عند أنفسكم.

اقرؤوا ما قبلها.

واقرؤوا ما بعدها.

وانظروا إلى الكلمات التي اختارها الله تعالى.

وانظروا كيف يطرح الله السؤال.

وانظروا كيف يجيب عنه.

وانظروا كيف تضيء آيةٌ معنى الآية التي قبلها.

ثم ارجعوا إلى تفاسير العلماء وشروحهم.

فإن القرآن يفسّر بعضه بعضًا، وسنة نبينا وحبيبنا محمد ﷺ تبيّن لنا معانيه وتوضحها.

وقد يكون الاختلاف الذي يبدو صغيرًا في حرف أو كلمة مشتملًا على تعليم عظيم.

ولهذا ينبغي أن نتعامل مع كلام الله بتواضع، وصبر، وأدب، وحضور قلب.

⸻

تذكّروا هذا يا أولادي الأعزاء

الحروف خزائن.

وأنوار الفهم في داخلها.

فاسألوا الله أن يرزقكم هذه الأنوار، فإن كل نور وارد منه سبحانه وتعالى.

لا تسألوا الله فقط أن يوفقكم لتلاوة كتابه،
بل اسألوه أن يمنحكم الأنوار التي تعينكم على فهم هداياته، والعمل بها، وتحقيق معانيه في حياتكم.

اللهم افتح قلوب أولادي لكتابك الكريم، وارزقهم أنوار فهمه، وعلّمهم ما جهلوا منه، واجعل القرآن نور قلوبهم، وهادي طريقهم، وأنيسهم ورفيقهم طوال حياتهم.

⸻

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.

والدكم،

العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني، قدّس الله سرّه؛
محمد المنصور المحيي الدين التجاني.