مكائد الشيطان: قصة العابد الذي أضلَّه الشيطان
بسم الله الرحمان الرحيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، وَنَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
وقال تعالى:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال النبي ﷺ:
«إن الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.».
(البخاري ومسلم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مكائد الشيطان: قصة العابد الذي أضلَّه الشيطان
يحذِّرنا الله سبحانه وتعالى من أقدم أعداء البشرية، فيقول:
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ
[سورة فاطر: 6]
ومن أشهر القصص التي ذكرها العلماء لبيان مكر الشيطان قصة برصيصا، العابد من بني إسرائيل. وقد أوردها عدد من المفسرين عند تفسير قول الله تعالى:
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ ۖ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
[سورة الحشر: 16]
غير أن العلماء بيَّنوا أن تفاصيل هذه القصة مأخوذة في معظمها من الإسرائيليات، وليست حديثًا صحيحًا ثابتًا عن النبي ﷺ. ومع ذلك، فإن معناها العام يوافق ما دلَّ عليه القرآن والسنة، وهو أن الشيطان لا يوقع الإنسان في المعصية دفعةً واحدة، بل يسوقه إليها خطوةً بعد خطوة حتى يهلكه.
القصة
يُروى أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ اشتهر بكثرة العبادة والزهد، فاعتزل الناس وتفرغ لعبادة الله تعالى.
وكان ثلاثة إخوة قد عزموا على الخروج للجهاد، فأرادوا أن يأتمنوا أحدًا على أختهم حتى يعودوا. وبعد أن رفضوا أشخاصًا عدة، وقع اختيارهم على هذا العابد، لما عُرف عنه من الصلاح والتقوى.
في البداية كان شديد الاحتياط؛ فكان يضع الطعام عند بابها ثم ينصرف من غير أن يراها أو يكلمها.
لكن الشيطان لا يملُّ ولا ييأس.
فوسوس إليه قائلًا:
لماذا تتركها تخرج وحدها لتأخذ الطعام؟ لو أوصلته إلى بابها لكان أستر لها.
فاستجاب لذلك.
ثم عاد إليه الشيطان فقال:
لا بأس أن تكلمها من بعيد لتطمئن عليها.
فقبل بذلك أيضًا.
ثم تطورت الأمور شيئًا فشيئًا؛ فطالت الأحاديث، وقويت الألفة، حتى وقع العابد في الفتنة، فزنى بالمرأة، فحملت منه.
ثم جاءه الشيطان بمكيدة أخرى، فقال له:
إذا رجع إخوتها وعلموا بما حدث افتُضح أمرك. اقتلها وادفنها، ثم تُب إلى الله بعد ذلك.
فاستجاب لوسوسته، فقتل المرأة والجنين الذي في بطنها، ودفنهما سرًّا.
فلما عاد إخوتها، أخبرهم بأن أختهم قد ماتت.
ولكن الله سبحانه وتعالى أظهر الحق؛ فقد ذُكر في بعض الروايات أن الإخوة رأوا في المنام المكان الذي دُفنت فيه أختهم وولدها، فلما حفروا وجدوا الجريمة كما هي.
فأُلقي القبض على العابد، وصدر الحكم بإعدامه.
ولما حانت ساعة تنفيذ الحكم، ظهر له الشيطان وقال:
أنا الذي أوصلتك إلى ما أنت فيه. فإن أردت النجاة، فاسجد لي.
ولشدة يأسه واستيلاء الخوف عليه، استجاب له.
فقال له الشيطان:
إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين.
فتحقق فيه معنى الآية الكريمة؛ فالشيطان يدفع الإنسان إلى الهلاك، ثم يتخلى عنه في اللحظة التي يكون فيها أحوج ما يكون إلى من ينصره.
العِبَرُ والدروس
تُبيِّن هذه القصة أن الشيطان لا يبدأ غالبًا بدعوة الإنسان إلى كبائر الذنوب، وإنما يفتح له بابًا صغيرًا، ثم بابًا آخر، حتى يعتاد القلب ما كان يستعظمه في البداية.
وقد قال العلماء:
إن كبائر الذنوب كثيرًا ما تبدأ بالتساهل في صغائرها.
ولهذا قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
[سورة النور: 21]
ولم يقل سبحانه: “لا تتبعوا الشيطان”، وإنما قال: “لا تتبعوا خطوات الشيطان“؛ لأن طريقه قائم على التدرج، فينقل العبد من معصية إلى أخرى، حتى يوقعه فيما لا يتصور أنه سيقع فيه.
وقد بيَّن الإمام ابن القيم رحمه الله أن الشيطان يسلك مع الإنسان مراتب في الإغواء:
فإن استطاع دعاه إلى الكفر.
فإن عجز، دعاه إلى البدعة.
فإن لم ينجح، دعاه إلى كبائر الذنوب.
فإن عجز، شغله بصغائر الذنوب.
فإن لم يستطع، شغله بالمباحات التي لا فائدة فيها.
فإن عجز عن ذلك كله، صرفه عن الأعمال الفاضلة إلى أعمال صالحة لكنها أقل أجرًا، ليحرمه من الأكمل والأفضل.
لا يأمن مكر الله إلا الخاسرون
قال الله تعالى:
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
[سورة الأعراف: 99]
تفسير العلماء
إن لفظ المكر إذا أُضيف إلى الله تعالى، فلا يُراد به المكر المذموم أو الخداع الظالم الذي يكون من المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
بل بيَّن علماء أهل السنة والجماعة أن مكر الله هو مكرٌ يليق بجلاله وكماله، وهو من باب الجزاء والعدل؛ فيُبطل سبحانه كيد أعدائه، ويأخذ الظالمين من حيث لا يشعرون.
فقد يُمهل الله العاصي، ويُوسِّع عليه في النعم، ويفتح له أبواب الرزق، فيظن أنه في أمان، وأن الله راضٍ عنه، ثم يأتيه العقاب بغتةً وهو غافل.
ولهذا يعيش المؤمن دائمًا بين الخوف والرجاء:
فلا يقنط أبدًا من رحمة الله.
ولا يأمن أبدًا من عدله وعقابه.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله إن هذه الآية تحذيرٌ لكل من يُقيم على المعاصي وهو يظن أنه بمنأى عن عقوبة الله.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بما يُعطاه من النعم أو النجاح أو طول الإمهال؛ فقد يكون ذلك استدراجًا وابتلاءً قبل الحساب.
وقال الله تعالى:
وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
[سورة الأعراف: 56]
موعظة
إن المؤمن الصادق لا يغتر أبدًا بصلاحه، ولا يعتمد على عبادته، ولا يقول في نفسه: «أنا في مأمن.» فمن ظن أنه قد أمِن الفتنة، فقد عرَّض نفسه للخطر.
فينبغي للمسلم ألا يعتمد على أعماله، ولا على علمه، ولا على منزلته، ولا على اجتهاده، ولا على ما يجده في قلبه من أحوال، بل يعترف دائمًا بفقره إلى الله، وافتقاره إلى رحمته وفضله.
ونحن نعلِّق رجاءنا كلَّه برحمة الله وفضله وإحسانه، ونرجو مغفرته، ونسأله أن يكرمنا بشفاعة نبينا وحبيبنا محمد ﷺ.
ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ:
«يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك.»
فمن تمسَّك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وأكثر من ذكر الله، ولازم صحبة الصالحين، واجتنب أسباب الفتن، فإن الله يحفظه ـ بإذنه ـ من مكائد الشيطان.
ولا تظن أنك قد بلغت الغاية؛ فإن من ظن أنه وصل، انقطع عن السير إلى الله.
ولا تظن أنك في مأمن؛ فإن المؤمن يبقى يقظًا حتى آخر نَفَسٍ من عمره.
فالقوة الحقيقية ليست في الثقة بالنفس، وإنما في الثقة بالله والتوكل عليه.
والغنى الحقيقي ليس بكثرة الأعمال، وإنما بشعور العبد الدائم بفقره إلى ربه سبحانه.
فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء؛ يرجو رحمة الله، ولا يأمن عدله، ويسأله في كل حين أن يحفظه من مكائد الشيطان الظاهرة والخفية، وأن يخلص نيته، ويثبته على الحق حتى يلقاه.
الخاتمة
نسأل الله تعالى أن يطهِّر قلوبنا، وأن يحفظنا من مكائد الشيطان، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا ونياتنا، وأن يعصمنا من أهواء أنفسنا ومن وساوس عدونا المبين.
ونسأله سبحانه أن يجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن يغمرنا برحمته الواسعة، ويرزقنا حسن الخاتمة، وأن يبعثنا يوم القيامة تحت لواء نبينا وسيدنا محمد ﷺ، وأن يجمعنا مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، وَنَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره؛
محمد المنصور المحيي الدين التجاني.
