يوم 25 اكتوبر 2025 – اللقاء الإخوي التجاني
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
- الأعمال صور قائمة.
وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.
قال تعالى:
﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾
( البيّنة: 5)
وقال تعالى:
﴿فاعبد الله مخلصًا له الدين﴾
( الزمر: 2)
هاتان الآيتان هما قلب الإخلاص النابض،
تُذكران بأن صفاء النية هو مفتاح القبول.
يقول الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا أحمد التجاني(قدس الله سره)، محمد المنصور المحيي الدين التجاني :
– العلم وحده لا يكفي،
– العلم مع العمل لا يكفي كذلك،
– وإنما العلم والعمل إذا اقترنا بنية خالصة لوجه الله فهما – إن شاء الله – مقبولان.
فالأعمال بلا نية كأجساد بلا أرواح،
صور قائمة بلا حياة.
لكن عندما يعمل القلب لله خالصًا،
صارت كلّ الأعمال – ولو صغيرة – مرآةً للنور.
النية الصادقة هي السرّ المكنون بين العبد وربه،
تحيي العمل، وتنير العلم، وتفتح أبواب رضا الله تعالى.
⸻
التربية النبوية في المسجد
المسجد هو محل التربية الروحية،
وفيه كان الحبيب المصطفى ﷺ يربّي أصحابه الكرام – رضي الله عنهم – وأي أصحاب!
أبو بكر، عمر، عثمان، عليّ: نجوم من نور المدينة.
النقط الثلاث التي نمارسها في المسجد يوميا تُحيي المسجد:
فكل مسجدٍ يقام فيه الذكر، والعلم، مع اتحاد القلوب، يصبح حيًّا عند الله.
لكن أحيانا، يأتي ناس إلى المسجد، للصلاة أو التلاوة أو التسبيح، وقلوبهم شتى، مختلفين رغم أنهم بجانب بعضهم البعض.
والمريد، ولو كان وحده في المسجد،
فعليه أن يكون موقنا أن الله يراه،
وأن الملائكة والجنّ المؤمنين – ومنهم من هم تجانيون – حاضرون معه.
فالذي ينبغي إزالته هو الحجاب الباطن،
الذي يحجب عن إدراك الحقيقة الروحية.
⸻
مثال النبي ﷺ في المسجد
دخل النبي ﷺ المسجد يومًا،
فرأى فيه عدة جماعاتٍ :
قومًا يُصلّون، وآخرين يذكرون الله،
وآخرين يتلون القرآن،
في حين جلس جماعة يتدارسون العلم فيما بينهم، فاقترب النبي ﷺ منهم، وجلس بينهم، وقال برفق:
«إنما بُعثتُ معلّمًا.»
فدلَّ بذلك على أن تعليم العلم ومعرفة الله
عبادةٌ عظيمة، ونورٌ يحيي المساجد، ويرتفع بالنفوس إلى الله.
يوجد إذن نوعان من الأعمال في حياة المؤمن:
الأعمال الفردية: كاللازم، والصلاة، والذكر الانفرادي، وتلاوة القرآن،
وهي تُغذّي أُنسَ القلب بالله، في الخفاء والحياء.
والأعمال الجماعية: التي تؤدَّى جماعة في المسجد أو مع مجموعة التلاميذ، طبقا للتربية النبوية، وهي تجمع القلوب على الوحدة والإخاء، وتقوي الإيمان وتجلب الرحمة.
هاذان النوعان متكاملان لا انفصال لإحدهما عن الآخر:
أحدهما يحصل به الإخلاص ،
والآخر يحيي الأمة بوحدة الأرواح.
الجماعة رحمة، لأنها تجسِّد الوحدة،
ولا يُعرف الله إلا في اتحاد القلوب.
قال رسول الله ﷺ:
«وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده.»
(حديث صحيح رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه)
فهذا الحديث الشريف يجمع لبّ التربية النبوية:
المساجد هي بيوت الرحمة،
ومواطن العلم والنور،
ومجامع الأرواح تحت نظر العليّ الأعلى.
⸻
سرّ الوظيفة في الجماعة بالمسجد
الوظيفة – إذا أُدّيت على صورة وظيفة شيخنا أحمد التجاني قدس الله سره –
تصبح هدايةً نورانيةً، لعَالَم الغيب وعَالَم الشهادة، تفيض على المدن والبلاد وأهلها،
فكل المخلوقات تحتاج إلى هذا المدد الرحماني النبوي.
فالوظيفة ليست مجرد ذكر،
بل أمانة مقدسة، تركها سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره لخلفائه، فقط لأجل حفظ الأمة.
إنها حصنٌ روحانيّ، وسور نورٍ وحماية.
عندما تجتمع القلوب في المسجد لأدائها بنيّة خالصةٍ مع الحضور القلبي،
أنار الله بهم الأرض ومن عليها،
وطهّر الهواء بأنفاسهم.
فتصير كلّ حلقة وظيفة محرابًا للنور،
تصطف فيها الملائكة،
وتغتسل عندها القلوب بسم الله،
وتنزل عليها الرحمة كالمطر على الأرض الخصبة.
ولهذا قيل:
«الوظيفة فيها إصلاح البلاد والعباد.»
ومن أداها موقنًا بأن الله يراه ويسمعه،
فد شارك ونال نصيبًا من هذه الرحمة العامة.
⸻
السرّ الخفي في الوظيفة
في الوظيفة الجماعية بالمسجد،
سرٌّ عظيمٌ ونورٌ أودعه الشيخ أحمد التجاني ( قدس الله سره ) في القلوب المختارة،
ولا يُكشف هذا السر إلا بإذنٍ خاص،
لأنه من علوم الغيب،
ورثه من رسول الله ﷺ،
وهو محفوظ بإذنٍ الشيخ نفسه.
ومن نال من هذا السرّ نفسًا واحدًا،
ذاق حضورًا لا تُعبّر عنه الكلمات،
انه بحر من نورٍ يصل أرواح المريدين الصادقين بأنفاس الرحمة المحمدية،
في الدعاء، والأخوة، والوفاء بعهد الطريقة.
⸻
الحكيم والرجل الذي ظنّ نفسه وحيدًا،
لأن المسجد دائما عامر
قام رجلٌ يومًا في المسجد ليعظ الناس،
فصعد المنبر وبدأ الكلام،
فإذا بالناس يغادرون المسجد واحدا تلو الآخر.
بَقِيَ الواعِظُ وَحيدًا و مرتبكا في مُواجَهَةِ الصَّمت.
اِنقَبَضَ قَلبُه، وتَجَمَّدَ لِسانُه، فَبَقِيَ هُناك صامِتًا، لا يَعلَمُ ماذا يَقول.
وبينما هو كذلك،
دخل رجلٌ حكيم،
توقّف عند الباب، ونظر إليه بهدوءٍ وسكينة.
ناداه الواعظ وقال:
– يا أيها الحكيم، تعال واجلس معي لتسمع كلام الله.
فقال الحكيم برفق:
– لا أستطيع أن أقترب، فبينك وبيني صفوفٌ من الملائكة.
حينها أدرك الواعظ الحقيقة:
ما رآه بعينيه خاليًا، كان مملوءًا بالأنوار.
فالمساجد لا تخلو أبدًا،
هي مساكن عباد الله من الإنس والملائكة.
فإذا انصرف الناس، حضرت الملائكة تسبّح ربها.
﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾
(الحديد: 4)
عندما يؤدى هذا العمل وهذا التعليم خالصا لله،
تصير المساجد لأهل السماء كالكواكب المضيئة في الليل عند أهل الأرض،
وكلُّ مسجدٍ تُقام فيه التربية وذِكرُ الله، يتلألأ عند الله.
⸻
قال أحد الأولياء الصالحين التجانيين:
«أعرف متى تكون الدنيا بخير،
عندما تكون التجانية بخير.»
⸻
الفقير إلى الله،
وتلميذ الشيخ أحمد التجاني( قدس الله سره )،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
