إِهْدَاءُ ثوَابِ الأعْمالِ للنّبي (صلى الله عليه وسلم)

جَوابُ سَيِّدِنا الشّيْخِ أحمد التّجاني (رضي الله عنه):

اِعْلَمْ أَنَّهُ (صلى الله عليه وسلم) غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، فَرْداً فَرْداً وَعَنْ صَلاَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَعَنْ إِهْدَائِهِمْ ثَوَابَ الأَعْمَالِ لَهُ (صلى الله عليه وسلم)، بِرَبِّهِ أَوَّلاً، وَبِمَا مَنَحَهُ مِنْ سُبُوغِ فَضْلِهِ، وَكَمَالِ طَوْلِهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّهِ (صلى الله عليه وسلم) فِي غَايَةٍ لاَ يُمْكِنُ وُصُولُ غَيْرِهِ إِلَيْهَا، وَلاَ يَطْلُبُ مَعَهَا مِنْ غَيْرِهِ زِيَادَةً أَوْ إِفَادَةً، يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
وَهَذَا العَطَاءُ وَإِنْ وَرَدَ مِنَ الحَقِّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ سَهْلَةُ المَأْخَذِ، قَرِيبَةُ المَحْتِدِ، فَإِنَّ لَهَا غَايَةً لاَ تُدْرِكُ العُقُولُ أَصْغَرُهَا فَضْلاً عَنِ الغَايَةِ التِي هِيَ أَكْبَرُهَا، فَإِنَّ الحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعْطِيهِ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى قَدْرِ سَعَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيُفِيضُ عَلَى مَرْتَبَتِهِ (صلى الله عليه وسلم) عَلَى قَدْرِ حُظْوَتِهِ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَهُ، وَمَا ظَنُّكَ بِعَطَاءٍ يَرِدُ مِنْ مَرْتَبَةٍ لاَ غَايَةَ لَهَا، وَعَظَمَةُ ذَلِكَ العَطَاءِ عَلَى قَدْرِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَى مَرْتَبَةٍ لاَ غَايَةَ لَهَا أَيْضاً وَعَظَمَتُهُ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهَا أَيْضاً، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ هَذَا العَطَاءُ، وَكَيْفَ تَحْمِلُ العُقُولُ سَعَتَهُ.
وَلِذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ فِي غِنَاهُ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ مِنْ لَدُنْ بِعْثَتِهِ (صلى الله عليه وسلم) إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ للهِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي طَوْقِ رِسَالَتِهِ (صلى الله عليه وسلم) يَكُونُ لَهُ مَعَ ثَوَابِ عَمَلِهِ بَالِغاً مَا بَلَغَ، فَلَيْسَ يَحْتَاجُ مَعَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ إِلَى زِيَادَةِ إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لِمَا فِيهَا مِنْ كَمَالِ الغِنَى الذِي لاَ حَدَّ لَهُ، وَهَذِهِ أَصْغَرُ مَرَاتِبِ غِنَاهُ (صلى الله عليه وسلم)، فَكَيْفَ بِمَا وَرَاءَهَا مِنَ الفَيْضِ الأَكْبَرِ، وَالفَضْلِ الأَعْظَمِ الأَخْطَرِ الذِي لاَ تُطِيقُ حَمْلَهُ عُقُولُ الأَقْطَابِ، فَضْلاً عَمَّنْ دُونَهُمْ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى صَلاَةِ المُصَلِّينَ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وسلم)، وَلاَ شُرِعَتْ لَهُمْ لِيَحْصُلَ لَهُ النَّفْعُ بِهَا (صلى الله عليه وسلم)، وَلَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى إِهْدَاءِ الثَّوَابِ مِمَّنْ يُهْدِي لَهُ ثَوَابَ الأَعْمَالِ، وَمَا مَثَلُ المُهْدِي لَهُ فِي هَذَا البَابِ ثَوَابَ العَمَلِ مُتَوَهِّماً أَنَّهُ يَزِيدُهُ بِهِ (صلى الله عليه وسلم)، أَوْ يُحَصِّلُ بِهِ نَفْعاً إِلاَّ كَمَنْ رَمَى نُقْطَةَ قَلَمٍ فِي بَحْرٍ، طُولُهُ مَسِيرَةُ عَشْرُ مِائَةِ أَلْفِ عَامٍ، وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، وَعُمْقُهُ كَذَلِكَ، مُتَوَهِّماً أَنَّهُ يُمِدُّ هَذَا البَحْرَ بِتِلْكَ النُّقْطَةِ وَيَزِيدُهُ، فَأَيُّ حَاجَةٍ لِهَذَا البَحْرِ بِهَذِهِ النُّقْطَةِ، وَمَا عَسَى أَنْ تَزِيدَ فِيهِ؟
وَإِذَا عَرَفْتَ رُتْبَةَ غِنَاهُ (صلى الله عليه وسلم) وَحُظْوَتَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَمْرَ اللهِ لِلعِبَادِ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وسلم) إنما لِيُعَرِّفَهُمْ عُلُوَّ مِقْدَارِهِ عِنْدَهُ، وَشُفُوفَ مَرْتَبَتِهِ لَدَيْهِ، وَعُلُوَّ اصْطِفَائِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَلِيُخْبِرَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ العَمَلَ مِنْ عَامِلٍ إِلاَّ بِالتَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ بِهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَمَنْ طَلَبَ القُرْبَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهِ دُونَ التَّوَسُّلِ بِهِ (صلى الله عليه وسلم) مُعْرِضاً عَنْ كَرِيمِ جَنَابِهِ، وَمُدْبِراً عَنْ تَشْرِيعِ خِطَابِهِ، كَانَ مُسْتَوْجِباً مِنَ اللهِ غَايَةَ السَّخَطِ وَالغَضَبِ، وَغَايَةَ اللَّعْنِ وَالطَّرْدِ وَالبُعْدِ، وَضَلَّ سَعْيُهُ وَخَسِرَ عَمَلُهُ، وَلاَ وَسِيلَةَ إِلَى اللهِ إِلاَّ بِهِ (صلى الله عليه وسلم)، كَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وسلم)، وَامْتِثَالِ شَرْعِهِ.
فَإِذاً، فَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وسلم) فِيهَا تَعْرِيفٌ لَنَا بِعُلُوِّ مِقْدَارِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، وَفِيهَا تَعْلِيمٌ لَنَا بِالتَّوَسُّلِ بِه (صلى الله عليه وسلم) فِي جَمِيعِ التَّوَجُّهَاتِ وَالمَطَالِبِ، لاَ غَيْرَ هَذِهِ مِنْ تَوَهُّمِ النَّفْعِ لَهُ بِهَا (صلى الله عليه وسلم)، لِمَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقاً مِنْ كَمَالِ الغِنَى.
وَأَمَّا إِهْدَاءُ الثَّوَابِ لَهُ (صلى الله عليه وسلم) فَتَعَقَّلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الغِنَى أَوَّلاً، ثُمَّ تَعَقَّلْ مِثَالاً آخَرَ يُضْرَبُ لإِهْدَاءِ الثَّوَابِ لَهُ (صلى الله عليه وسلم) بِمَلِكٍ عَظِيمِ المَمْلَكَةِ، ضَخْمِ السَّلْطَنَةِ، قَدْ أُوتِيَ فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ كُلِّ مُتَمَوِّلٍ خَزَائِنَ لاَ حَدَّ لِعَدَدِهَا، كُلُّ خِزَانَةٍ عَرْضُهَا وَطُولُهَا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، مَمْلُوءَةً كُلُّ خِزَانَةٍ عَلَى هَذَا القَدْرِ يَاقُوتاً، أَوْ ذَهَباً، أَوْ فِضَّةً، أَوْ زُرُوعاً، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ المُتَمَوِّلاَتِ، ثُمَّ قُدِّرَ فَقِيراً لاَ يَمْلِكُ مَثَلاً غَيْرَ خُبْزَتَيْنِ مِنْ دُنْيَاهُ فَسَمِعَ بِالمَلِكِ، وَاشْتَدَّ حُبُّهُ وَتَعْظِيمُهُ لَهُ فِي قَلْبِهِ، فَأَهْدَى لِهَذَا المَلِكِ إِحَدَى الخُبْزَتَيْنِ مُعْظِّماً لَهُ وَمُحِبّاً، وَالمَلِكُ مُتَّسِعُ الكَرَمِ، فَلاَ شَكَّ أَنَّ الخُبْزَةَ لاَ تَقَعُ مِنْهُ بِبَالٍ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الغِنَى الذِي لاَ حَدَّ لَهُ، فَوُجُودُهَا عِنْدَهُ، وَعَدَمُهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، ثُمَّ أن المَلِك لاَتِّسَاعِ كَرَمِهِ عَلِمَ فَقْرَ الفَقِيرِ، وَغَايَةَ جَهْدِهِ، وَعَلِمَ صِدْقَ حُبِّهِ وَتَعْظِيمَهُ فِي قَلْبِهِ، وَإِنَّهُ مَا أَهْدَى لَهُ الخُبْزَةَ إِلاَّ لأَجْلِ ذَلِكَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لأَهْدَاهُ لَهُ، فَالمَلِكُ يُظْهِرُ لَهُ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ بِذَلِكَ الفَقِيرِ وَبِهَدِيَّتِهِ لأَجْلِ تَعْظِيمِهِ لَهُ، وَصِدْقِ حُبِّهِ لاَ لأَجْلِ انْتِفَاعِهِ بِالخُبْزَةِ، وُيِثِيبُ عَلَى تِلْكَ الخُبْزَةِ بِمَا لاَ يُقَدَّرُ قَدْرُهُ مِنَ العَطَاءِ لأَجْلِ صِدْقِ المَحَبَّةِ وَالتِّعْظِيمِ لاَ لأَجْلِ النَّفْعِ بِالخُبْزَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَضَرْبِ المَثَلِ قَدْرُ إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لَهُ (صلى الله عليه وسلم)، وَأَمَّا غِنَاهُ عَنْهُ (صلى الله عليه وسلم) فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي ضَرْبِ المَثَلِ بِعَظَمَةِ البَحْرِ المَذْكُورِ أَوَّلاً، وَإِمْدَادِهِ بِنُقْطَةِ القَلَمِ. وَأَمَّا إِثَابَتُهُ (صلى الله عليه وسلم) فَقَدْ ذُكِرَ المَثَلُ لَهَا بِإِهْدَاءِ الخُبْزَةِ لِلمَلِكَ المَذْكُورِ، وَالسَّلاَمُ.
اِنْتَهَى مِنْ إِمْلاَئِهِ (رضي الله عنه).

العبد الفقير إلى الله وخادم الشيخ أحمد التجاني (قدّس الله سرّه)، محمد المنصور المحيي الدين التجاني