كل شيء ملك للملك – حب الملك الأبدي
هذا النصّ عُصارة من تعاليم التربية الروحية لمعلمنا المحبوب، سيدنا الشيخ أحمد التجاني ( قدّس الله سره).
لقد أجمل لنا في حكاية رمزية علم التجرد والتبري من الأغيار، والعبادة الخالصة لله الملك القهار.
ـــ
“فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”
( الحج: 46)
يا لحالنا…
كان يا ما كان، ملك عادل، منصف، أمين، رحيم، وجليل، يمتدّ ملكه وراء الجبال والأنهار.
وكان لديه قطيع عظيم من الغنم، يضاهي عدده عدد نجوم السماء.
كل كبش كان يعده كنزًا حيا، فيوكل رعايته لأحد خدامه ليختبر وفاءه.
في يوم من الأيام، نادى الملك أحد الرعاة وقال له:
— “هذه بعض من أغنام قطيعي. سأجعلك حارسًا عليها.
خذها إلى المروج الخضراء، اُحرسها من الذئاب، واسقها من مياه العيون العذبة.
لكن تذكّر دوما: أنها مِلكٌ لي، لا لك.
إذا ما أتيتُ يوما ما لأخذ واحد منها، فاقبل إرادتي بالبهجة والسرور، فأنا المالك الحقيقي.”
قَبِلَ الراعي شروط الملك بالفرح والحبور.
وكان يقود الأغنام كل غداة بين الحقول المزهرة، و يعيدها كل مساء تحت ضوء النجوم.
مع مرور الأيام، نسي الراعي كلام الملك.
وتعلق قلبه بالأغنام، كأنها ملك له، وبدأ يعتقد أنه سيدها.
ذات مساء، نزل الملك من قصره، مرتديًا عباءة من نور،
وقال بصوت رقيق ولكن حازمٍ:
— “اليوم، جئتُ لأخذ هذا الكبش.”
رد الراعي الذي أعماه التعلقُ قائلا :
— “لا! إنه لي!
أنا من أطعمه، أنا من حماه!
لماذا تريد أخذه مني؟”
ربت الملك كتف الراعي وقال له:
— “يا مسكين… ليست عيناك هي العمياء، بل قلبك.
أَنسيت أن كل شيءٍ لي؟
المراعي، والجداول، والنجوم، حتى نَفَسُك… كل هذا مِلك لي.
من أحبّ الأغيار فسيحزن لفقدها،
أما من أحبّ الملك، فسيظلّ سعيدًا، لأن الملك هو الحي الذي لا يفنى.”
غمر النور قلب الراعي،
وسقطت دموعه رقراقة كالمطر الزلال،
وفَهِم أن سعادته لا تكمن في التعلق بزائل ، بل في حب الملك الباقي.
ومنذ ذلك اليوم، صار يرعى الأغنام بلطف،
و قلبه متعلق بالملك لا بها.
و بهذا الإخلاص والوفاء، غمرت باطنَه السعادةُ السرمديةُ والطمأنينيةُ الأبديةُ .
فعلم يقينا أن من تعلّق قلبه بالمخلوقات، مآله الحزن عند فقدها.
أما من تعلّق قلبه بالملك الباقي،الحي الذي لا يفنى ،
فلن ينهار قلبه أبدًا عند زوال الأغيار ، لأن قلبه وقع في حب الدائم الذي لا يزول.
ولن تفيضَ عيناه يومًا ما، بدموع الغضب و التسخط على القضاء عند الفقْد بعد الوجد ،
بل بدموع الرحمة والرضا،
فكل شيء في هذا العالم سيفنى،
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
ـــ
العبد الفقير إلى الله، وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني (قدس الله سره)،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
