حقيقة الكشف
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الفاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ و الخاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقَِ و الهَادِي إلى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ و عَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ و مِقْدَارِهِ العَظِيمِ
حقيقة الكشف
سئل سيدنا رضي الله عنه بما نصه :
« سيدنا أدام الله علوك وارتقاءك، بين لنا حقيقة الكشف الصحيح إذا خالف النص الصريح ماذا يقدم ؟ »
فأجاب رضي الله عنه :
- توافق النص الصريح والكشف الصحيح
اعلم أن النص الصريح لا يختلف مع الكشف الصحيح لا مادةً ولا نهايةً، فكلاهما واحد من عين واحدة،
لأن النص الصريح من ذات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برز، سواء كان حديثاً أو قرآناً،
والكشف الصحيح لأربابه من فيض حقيقته المحمدية فاض،
ففي كلاهما كان صلى الله عليه وسلم واسطة، وهما من عند الله منشأً.
فلذا فهما لا يختلفان، لأن الكشف الصحيح لا يدل إلا على ما دل عليه النص الصريح:
بتصريح، أو بتلويح، أو بتضمين.
- النور والظلمة والتمييز الباطني
فالمكاشف في بعض أحواله إذا توجه مطالِعاً لحكمٍ في مسألةٍ يريدها،
إن رآها نوراً أو اكتسبت نوراً أو أحاط بها النور، علم أنها مطلوبة شرعاً:
إما وجوباً أو ندباً.
وإن رأى المسألة ظلمةً أو كَسَتها ظلمةٌ أو أحاطت بها ظلمة، دل على أنها مطلوب تركها شرعاً:
إما تحريماً أو كراهة.
وإن رآها في كشفه لم يقع عليها لا نور ولا ظلمة، دل على أنها مباحة،
لا يُطلب فعلها ولا تركها.
وقد ينتقل حكم المباح إلى الوجوب أو التحريم لعارضٍ في الوقت،
إذا كان يؤدي ارتكابه إلى محرم،
أو كان يتوقف على تحصيل واجبٍ أو مندوب،
وإلا بقي في حيز الإباحة.
- بعد الفتوى: قلب العارف
وإن أفتاك المفتون في المسألة فاستفتِ فيها قلبك،
ولا يكون هذا إلا للعارف الكامل فقط،
فإنه صاحب الكشف الصحيح لبُعد نفسه عنه،
فقد حيل بينه وبين نفسه بأنوار القدس،
فكل ما يتوجه له في أموره هو من الله تعالى،
لكن في أمور دينه لا أمور دنياه،
فإنه في أمور دنياه كسائر الخلق.
- قول الشيخ الشاذلي رضي الله عنه
وقد قال الشاذلي رضي الله عنه:
كنت كثيراً ما أبحث في كلام القوم،
حتى قال له الحق في بعض وقائعه، ناهياً له عما يبحث عنه من كلام القوم:
« تعريفي لك يغنيك عن علم الأولين والآخرين، ما عدا علم النبيين والمرسلين. »
- الأصل المطلق: وساطة النبوة
وهذا هو الأصل المرجوع إليه،
لا واسطة بين الله وبين العباد إلا النبوة.
ومن رام الخروج عنها، طالباً للأخذ عن الله من غيرها، كفر وخسر الدنيا والآخرة.
أما معنى ما يُذكر عن أخذ العلم عن الله بغير واسطة،
فإنه نفي الواسطة المشهودة،
أي أنه لا يشهد واسطة بينه وبين الحق لكنها موجودة في نفسها،
وإن كانت غير مشهودة له، وهي الحقيقة المحمدية،
لأنه لا مطمع لأحد في درك حقيقتها فضلاً عن مشاهدتها،
فإنها أخفى من السر الخفي.
- وهم “بلا واسطة”
لذا يرى نفسه يأخذ العلم عن الله بلا واسطة،
وما برز له ذلك العلم إلا من الحقيقة المحمدية.
وإن رآه من الحق مباشرة، فهو مغطّى عليه بحجاب التلبيس،
هذا هو أخذ العلم بلا واسطة.
وأما أن يتوهم أن العقل أو غيره يأخذ العلم بغير واسطة الحقيقة المحمدية، مجرداً عنها،
فهذا لا سبيل إليه وهو وهم باطل.
وإنما نفي الواسطة في حقه نفيٌ شهودي لا نفيٌ وجودي.
- سر الحضرة
فإنه في وقت الأخذ عن الله ينمحق الآخذ محقاً كلياً،
فلا يبقى له شعور بنفسه فضلاً عن غيره من الوجود،
فيسمع ما يسمع في تلك الحضرة من الإلقاءات،
وما ثم إلا الحق المتكلم، والآخذ لا غير.
وقد قلنا في بعض الأجوبة:
إنه يتدلّى للعارف سرٌّ من أسرار الحضرة القدسية،
يأخذه عن نفسه، ويغطي عنه وجوده مع جميع الوجود،
ويريه ذاته عينية الحق،
فيكون ناطقاً لا بلسانه، سامعاً، ورائياً لا ببنيته،
مدركاً لا بجنانه،
بل هو بالحق، للحق، في الحق، عن الحق،
إدراكاً، وإحساساً، وشهوداً، وتلقياً.
ولا قدرة للعبد إذا صادمه هذا السر على الخروج عن دائرة حيطته،
فإن هذا السر إذا ورد على العبد قاهر بقوة سلطانه،
غالب بسطوة جلاله،
لا قدرة لأحد أن يخرج عنه إلا إذا سرى منه،
والوساطة للحقيقة المحمدية في هذا موجودة غير مشهودة، ولا معقولة ولا محسوسة. انتهى.
- قول الشيخ الأكبر ابن عربي رضي الله عنه
(قال) الشيخ الأكبر رضي الله عنه:
« لولا علماء الظاهر، لأتَى الأولياء عن الله بما أتت به الأنبياء. »
ومعناه:
في غير التشريع،
فإن التشريع — بإحداث حكمٍ لم يكن سابقاً،
طلباً للفعل، أو طلباً للترك، أو تعبداً، أو إباحة،
أو نقض حكمٍ سابق في الشريعة فتبدّل بحكم آخر —
فهذا لا سبيل للأولياء إليه،
إذ هذا متوقف على النبوة فقط.
وما وراء ذلك فاستوت فيه النبوة والولاية. انتهى.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الفاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ و الخاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقَِ و الهَادِي إلى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ و عَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ و مِقْدَارِهِ العَظِيمِ
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني( قدّس الله سرّه )،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
