السحور — الثلث الأخير من الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، الفاتِحِ لِما أُغْلِقَ، والخاتِمِ لِما سَبَقَ، ناصِرِ الحَقِّ بالحقِّ، والهادِي إلى صِراطِكَ المُستقيمِ، وعلى آلِهِ حقَّ قدرِهِ ومِقدارِهِ العظيمِ.
⸻
قال تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
آل عمران- الآية31
⸻
من أقوال سيدنا أحمد التجاني، قدَّس الله سرَّه:
كلُّ فتحٍ، وكلُّ نورٍ، وكلُّ ترقٍّ لا يتحقَّق إلا بالاتباع الصادق للحبيب ﷺ.
الخيرُ كلُّه في اتباع السُّنَّة، والشرُّ كلُّه في مخالفتها.
قدوتُنا هو النبيُّ ﷺ، وكلُّ مخالفةٍ لسنَّته ضلال.
⸻
السحور — الثلث الأخير من الليل
مائدة الأجساد ومائدة الأرواح
يا من تبحث عن الله…
هل تعلم أن السحور ليس مجرد وجبة طعام؟
السحور هو وقت الثلث الأخير من الليل؛
هو وقت اختاره الله، وقت تُفتح فيه أبواب الرحمة، وتقترب فيه القلوب.
إنها دعوة…
دعوة إلهية تتكرر كل ليلة.
للجسد حقه.
قال النبي ﷺ:
«تسحّروا، فإن في السحور بركة.»
(رواه البخاري ومسلم)
بضع تمرات، قليل من الماء، لقمة تؤخذ بنية اتباع الحبيب ﷺ، فتصبح نورًا وبركة.
وقال ﷺ:
«نِعْمَ سَحورُ المؤمنِ التمرُ.»
لكن أهل القرب يعلمون أن وراء غذاء الجسد غذاءً آخر… ألطف… وأسمى…
غذاء الروح.
وصف الله المتقين في وقت السحور فقال:
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
(سورة الذاريات، الآية 18)
فوقت السحور هو نفسه الثلث الأخير من الليل، الوقت الذي يتجلّى فيه القرب الإلهي على وجهٍ خاص.
قال النبي ﷺ:
«ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول:
من يدعوني فأستجيب له؟
من يسألني فأعطيه؟
من يستغفرني فأغفر له؟»
(رواه البخاري ومسلم)
تأمل هذا اللطف الإلهي…
ملك الملوك ينادي عباده وهم نيام.
بعضهم يقوم ليأكل…
وأهل القرب يقومون لِيُغَذَّوْا.
ففي السحور مائدتان:
— مائدة للأجساد،
— ومائدة للقلوب.
مائدة الأجساد فيها الطعام والماء،
ومائدة القلوب فيها:
الاستغفار…
الحضور…
الخشوع…
الافتقار إلى الله…
السحور ساعةُ من يأكلون لأجل الأجساد،
وساعةُ من يستغفرون لأجل القلوب.
طوبى لمن أكل بفمه وبكى بقلبه.
طوبى لمن غذّى جسده لنهاره، وغذّى روحه لأبديته.
فلعل كلمة «أستغفر الله» تُقال بصدق، فتفتح أبوابًا لا تفتحها سنونٌ من الجهد.
قال العارفون:
من حُرم الاستغفار في وقت السحور فقد حُرم كنزًا عظيمًا.
يا عبد الله…
إن قمت لتأكل، فلا تحرم نفسك اللقاء.
فإن ربك ينادي:
«من يستغفرني فأغفر له؟»
ويا لخسارة من سمع النداء… ولم يُجِب.
⸻
كلمة إلى قلوب المريدين
سحور العوام طعام،
وسحور السالكين عبادة،
وسحور المقربين لقاء.
من قام ليأكل نال البركة،
ومن قام ليستغفر نال الرحمة،
ومن قام لله نال الله.
فلا تكن ممن يأخذ النعمة وينسى المُنعِم،
بل كن ممن يجد المُنعِم قبل أن يُتمَّ لقمته.
فإن أهل الله أدركوا سرًّا:
من استيقظ للسحور من أجل الله، فلن ينام في قبره.
⸻
اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، الفاتِحِ لِما أُغْلِقَ، والخاتِمِ لِما سَبَقَ، ناصِرِ الحَقِّ بالحقِّ، والهادِي إلى صِراطِكَ المُستقيمِ، وعلى آلِهِ حقَّ قدرِهِ ومِقدارِهِ العظيمِ.
⸻
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره.
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
