الأحكام التكليفية الخمسة

بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، وَنَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.

قال سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره:

«إذا سمعتم عني شيئًا فزنوه بميزان الشرع، فإن وافق فأعملوا به، وإن خالف فاتركوه.»
تمثل هذه الكلمة أصلًا عظيمًا من أصول طريقتنا؛ إذ لا يمكن أن تنفصل الطريقة عن الشريعة أبدًا. فكل قول، وكل فعل، وكل إلهام، وكل دعوى، يجب أن يُوزن بميزان كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وفهم العلماء.

قال رسول الله ﷺ:
«مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ.»
(رواه البخاري ومسلم).

وقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
(سورة النحل: 43، وسورة الأنبياء: 7).
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
(سورة النحل: 116).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف يدّعي المرء أنه يسير إلى الله وهو باقٍ في الجهل؟

إن الطريق إلى الله قائم على العلم قبل القول والعمل. فما قرّب الجهل عبدًا من ربه قط، بل كان من أعظم أسباب الضلال.
فكيف يرجو المريد أن يسير إلى الله وهو يجهل ما أوجبه الله عليه، وما ندبه إليه، وما أباحه له، وما كرهه، وما حرّمه عليه؟
إن السير إلى الله لا يقوم على العواطف، ولا على الدعاوى، ولا على العادات، وإنما يقوم على معرفة الشريعة ثم العمل بها بإخلاص.
وقد قال العلماء:
«العلم قبل القول والعمل.»
فلا تصح عبادة الله إلا بمعرفة أحكام دينه. فمن أراد حقًا الوصول إلى الله، فعليه أن يتعلم دينه، وأن يزن أقواله وأعماله بميزان القرآن والسنة، وأن يسأل أهل العلم إذا جهل حكمًا من الأحكام.
ومن طلب الله بغير علم كان كمسافر يريد بلوغ وجهته وهو لا يعرف الطريق؛ فكلما تقدم ازداد عرضةً للضلال.
ومن هذا المنطلق سندرس الأحكام الخمسة الأساسية في الشريعة الإسلامية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحكام الشرعية الخمسة
يجب على كل مريد أن يتعلم الأحكام الأساسية للفقه، إذ لا يستطيع أحد أن يعبد الله على الوجه الصحيح إلا إذا عرف أحكام شريعته.
ولا تُقبل العبادة إلا إذا اجتمع فيها شرطان عظيمان:
• الإخلاص لله تعالى.
• متابعة سنة رسول الله ﷺ.
فمن جهل هذه الأحكام عرّض نفسه لترك واجب، أو لارتكاب محرم، أو ء وهو أشد خطرًا ء للكلام في دين الله بغير علم.
وأعمال العبد لا تخرج عن خمسة أحكام:

أولًا: الفرض (أو الواجب)
وهو ما أمر الله به أمرًا جازمًا.
• فاعله مأجور.
• وتاركه بلا عذر شرعي آثم.
ومن أمثلته: الصلوات الخمس، وصيام رمضان، والزكاة، والحج لمن استطاع إليه سبيلًا.

ثانيًا: المندوب (المستحب أو السنة)
وهو ما رغّب الله ورسوله ﷺ فيه من غير إلزام.
• فاعله مأجور.
• وتاركه غير آثم، لكنه يفوّت على نفسه الأجر.
ومن أمثلته: النوافل، وصيام التطوع، والتبسم، والصدقة، والأذكار.

ثالثًا: المباح
وهو ما خيّرت الشريعة المكلف في فعله وتركه.
• فلا أجر فيه ولا إثم من حيث الأصل.
• وقد يتحول المباح إلى عبادة بالنية الصالحة.
• وقد ينقلب إلى إثم بالنية الفاسدة.
ومن أمثلته: الأكل، والشرب، والنوم، والعمل، والتجارة، والراحة.

رابعًا: المكروه
وهو ما نهت عنه الشريعة على سبيل التنزيه لا التحريم.
• من تركه ابتغاء وجه الله أُجر.
• ومن فعله فلا يأثم، لكنه ترك ما هو أكمل وأفضل.
والمؤمن يحرص دائمًا على بلوغ الكمال في عبادته، وتجنب ما هو مكروه شرعًا.

خامسًا: الحرام
وهو ما نهى الله عنه نهيًا جازمًا.
• من تركه لله أُجر.
ومن فعله متعمدًا فهو آثم، وعليه أن يتوب إلى الله توبة صادقة.
ومن أمثلته: الكذب، والربا، والزنا، والسرقة، والغيبة، والظلم، وكل معصية لله ورسوله ﷺ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاعدة عظيمة
قبل أن يقول الإنسان:
• هذا واجب.
• هذا مستحب.
• هذا مباح.
• هذا مكروه.
• هذا حرام.
فلا بد أن يكون معه دليل من القرآن، والسنة، وفهم العلماء.
فدين الله لا يقوم على العادات، ولا على الأعراف، ولا على الأهواء، ولا على الآراء الشخصية، وإنما يقوم على الوحي.
ولا ينبغي للمؤمن أن يستحيي من قول:
«لا أعلم.»
فهذه الكلمة دليل على التواضع، وسبب للسلامة من القول على الله بغير علم.
ومن جهل حكمًا شرعيًا فعليه أن يتعلم أحكام الفقه، فإن عجز عن ذلك مؤقتًا، وجب عليه أن يسأل أهل العلم، امتثالًا لقول الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
وبإذن الله تعالى سنقوم بتعليم هذه الأحكام الفقهية تدريجيًا، حتى يعبد كل مريد ربه على علم وبصيرة ويقين، وحتى لا يتكلم أحد في دين الله بغير دليل.
وفي المذهب المالكي يُستعمل مصطلحا الفرض والواجب غالبًا بمعنى واحد، للدلالة على ما أوجبه الشرع.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده الذين يطلبون العلم قبل القول والعمل، ويتكلمون بالإنصاف، ويعملون بالإخلاص، ويتمسكون بالقرآن الكريم، والسنة النبوية، ومنهج السلف الصالح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني (قدس الله سره)،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني.