محبة رسول الله ﷺ (الجزء الثاني)
بسم الله الرحمان الرحيم
⸻
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، َنَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
وقال تعالى:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محبة رسول الله ﷺ
(الجزء الثاني)
المحبة الحقيقية لرسول الله ﷺ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الكرام، ومن تبع سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن محبة رسول الله ﷺ أصلٌ عظيم من أصول الإيمان، ولا يبلغ العبد كمال الإيمان حتى يكون رسول الله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه، ووالديه، وولده، والناس أجمعين.
قال رسول الله ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.»
(رواه البخاري ومسلم).
وليست هذه المحبة مجرد شعور، بل هي نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن، فيغيِّر به حياته كلها، ويهديه إلى طريق الاستقامة.
⸻
المحبة الحقيقية تظهر بالطاعة
إن محبة رسول الله ﷺ لا تقتصر على ذكر اسمه الشريف، أو إنشاد القصائد في مدحه، أو التأثر عند سماع سيرته العطرة.
بل إن المحبة الصادقة هي التي تُصلح القلب، وتنير العقل، وتُخلِص النية، وتظهر آثارها في الطاعة الصادقة لسنته المباركة.
فمن أحب النبي ﷺ حقًّا، سعى بطبيعته إلى أن تكون أقواله وأعماله ونياته وأخلاقه موافقةً لما جاء به رسول الله ﷺ، ومقتديةً بسنته الشريفة.
وكلما ازدادت المحبة في القلب، أصبحت الطاعة أيسر، وأحلى، وأقرب إلى النفس، حتى تصير سجيةً وعادةً.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
[سورة النساء: 64].
وقال سبحانه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[سورة النساء: 65].
فهاتان الآيتان الكريمتان تدلان دلالةً واضحة على أن طاعة رسول الله ﷺ جزءٌ لا ينفصل عن حقيقة الإيمان.
ولذلك فإن البرهان الحقيقي على المحبة ليس مجرد الدعوى باللسان، وإنما هو موافقة سنته، والسير على هديه، والاقتداء بأخلاقه.
وقد قال أهل التربية والسلوك:
«المحبة شجرةٌ أصلها في القلب، وثمارها تظهر في الجوارح.»
فمن ادعى محبة رسول الله ﷺ، ولم يجتهد في اتباع سنته، فليُراجع صدق محبته، وليحاسب نفسه، فإن المحبة الصادقة لا تنفك عن الاتباع.
⸻
محبة رسول الله ﷺ تفتح أبواب الجنة
إنَّ للمحبة الصادقة منزلةً عظيمةً لا يبلغها عملٌ إذا أُخذ على حِدَةٍ.
جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال:
«متى الساعة؟»
فقال له النبي ﷺ:
«وماذا أعددت لها؟»
فقال الرجل:
«ما أعددت لها كثير صلاة، ولا كثير صيام، ولكني أحب الله ورسوله.»
فقال له رسول الله ﷺ:
«أنت مع من أحببت.»
وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول:
«فما فرحنا بشيءٍ بعد الإسلام فرحنا بقول النبي ﷺ: “أنت مع من أحببت”.»
يا لها من بشارةٍ عظيمة للمؤمنين!
فهذا الحديث الشريف يدل على أن المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ سببٌ لنيل شرف صحبته في الآخرة، إذا اقترنت بالإيمان الصادق، والإخلاص، والطاعة، والثبات على هديه الشريف.
⸻
محبة أهل بيت النبي ﷺ
من أحب رسول الله ﷺ أحبَّ من أحبهم رسول الله ﷺ.
ولهذا كانت محبة أهل بيت النبوة جزءًا لا يتجزأ من محبة النبي ﷺ.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
[سورة الأحزاب: 33].
وقال رسول الله ﷺ:
«إني تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله، وأهلَ بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.»
وفي حديثٍ صحيحٍ آخر، كرر النبي ﷺ ثلاث مرات:
«أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.»
وهذا التكرار يدل على عظيم حقهم، وعلى وجوب حفظ منزلتهم، ومودتهم، والإحسان إليهم.
وقال الله تعالى:
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾
[سورة الشورى: 23].
فلما نزلت هذه الآية، سأل الصحابة رضي الله عنهم:
«يا رسول الله، من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟»
فقال ﷺ:
«عليٌّ، وفاطمة، والحسن، والحسين.»
فمحبة أهل البيت رضي الله عنهم ثمرةٌ طبيعية لمحبة رسول الله ﷺ.
وتتحقق هذه المحبة باحترامهم، ومعرفة فضلهم، والدعاء لهم، والاقتداء بما كانوا عليه من الإيمان والتقوى، من غير غلوٍّ ولا جفاء، على منهج أهل السنة والجماعة.
⸻
الغاية من محبة النبي ﷺ
بعد أن يدرك المؤمن أن محبة رسول الله ﷺ تظهر بالطاعة، وتفتح أبواب صحبته في الآخرة، وتقوده بطبيعتها إلى محبة أهل بيته الأطهار، يكتشف حقيقةً أسمى وأرفع.
فمحبة النبي ﷺ ليست غايةً في ذاتها.
بل هي بداية الطريق.
أما الغاية الحقيقية، فهي أن يكون العبد محبوبًا عند رسول الله ﷺ.
فكم من الناس يقول:
«إني أحب رسول الله ﷺ.»
ولكن ينبغي لكل واحدٍ أن يسأل نفسه:
«هل أنا ممن يحبهم رسول الله ﷺ؟»
فإن المحبة الصادقة لا تُقاس بالمشاعر وحدها، ولا بكثرة الكلمات.
وإنما تُعرف بصدق الاتباع، والتمسك بسنته، وطهارة القلب، وحسن الخلق، والإخلاص في عبادة الله تعالى، والوفاء بكل ما جاء به رسول الله ﷺ.
وقد بيَّن الله سبحانه الطريق الموصل إلى محبته فقال:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران: 31].
فهذه الآية الكريمة تلخص السير إلى الله تعالى كله.
فالمؤمن يحب رسول الله ﷺ.
فتدفعه هذه المحبة إلى اتباع سنته بإخلاص.
فإذا اتبع سنته أحبه الله.
ومن أحبه الله رفعه إلى مقام القرب، وأكرمه برضوانه، وجعله من أوليائه.
ويتجلى هذا المعنى بأجمل صورة في الحديث الشريف الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه.
فقد أخذ النبي ﷺ بيده وقال:
«يا معاذ، والله إني لأحبك.»
ثم أوصاه فقال:
«اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.»
تأملوا عظمة هذا التعليم النبوي.
فلما أخبر النبي ﷺ معاذًا بمحبةٍ خاصة، لم يعده بمال، ولا بجاه، ولا بمنصب من مناصب الدنيا.
وإنما وجَّهه مباشرةً إلى ذكر الله، وشكره، وإحسان عبادته.
فدلَّ ذلك على أن من أحبه رسول الله ﷺ ساقه إلى الله تعالى، ورباه على القرب منه، وطهَّر قلبه، وزاده رحمةً ونورًا، ورفعه في مدارج الكمال.
وهكذا تصبح محبة النبي ﷺ تربيةً إيمانية، وتزكيةً للنفوس، ورحمةً، وسببًا للارتقاء في مقامات القرب من الله تعالى.
ثم يبلغ المؤمن تمام هذه المسيرة عند قول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[سورة المائدة: 54].
فهذه هي الغاية العظمى.
ليست الغاية أن نحب الله ورسوله ﷺ فحسب.
بل أن نكون من الذين أحبهم الله.
وذلك مقام الصدِّيقين، والمقرَّبين، والأولياء، وأحباب الله تعالى.
⸻
الخاتمة
إن المحبة الحقيقية لرسول الله ﷺ ليست مجرد عاطفةٍ تهتز بها المشاعر، ولا كلماتٍ ينطق بها اللسان.
بل هي نورٌ يقذفه الله في القلب، فيصلح به النفس، ويزكي السريرة، ويطهر النية، ويغيّر حياة المؤمن كلها.
وتظهر آثار هذه المحبة في التمسك بسنة النبي ﷺ، والاعتصام بكتاب الله، ومحبة أهل بيته الأطهار، واحترام أصحابه الكرام، والتحلي بمكارم الأخلاق، والإخلاص في عبادة الله، والاجتهاد الدائم في طلب رضاه سبحانه.
فمن أحب رسول الله ﷺ صدقًا، سار على نهجه، واقتفى أثره.
ومن سار على هديه، استحق محبته.
ومن نال محبة رسول الله ﷺ، قاده ذلك إلى كل ما يجلب محبة الله عز وجل.
وذلك هو الفوز العظيم.
نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بمحبة حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد ﷺ، وأن يرزقنا حسن اتباع سنته الشريفة ظاهرًا وباطنًا، وأن يجعلنا من الذين أحبهم رسول الله ﷺ، وأن يكرمنا بمحبة الله تعالى ورضوانه.
ونسأله سبحانه أن يحشرنا يوم القيامة تحت لواء نبيه الكريم ﷺ، وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى، مع أهل بيته الأطهار، وأصحابه الأخيار، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهمّ صلِّ على سيّدنا محمد،
الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحقّ بالحقّ، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم.
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني (قدس الله سره)،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني.
