التَّعَبُ يَفْعَلُ مَا عَلَيْهِ، فَافْعَلْ أَنْتَ مَا عَلَيْكَ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
⸻

يقول العبد الفقير إلى الله:

«إذا كان الشيطان عدوك من خارجك، فاعلم أن سُمَّه يسري في داخلك. لذا، احذر من وساوسه ودعوته التي تجد أرضًا خصبة في النفس، لا سيما إذا لم تكن هذه النفس مُزكَّاة، إذ يمكنها أن تصبح أكبر أعدائك.

التَّعَبُ يَفْعَلُ مَا عَلَيْهِ، فَافْعَلْ أَنْتَ مَا عَلَيْكَ.

إن كل عذر تُبديه تجاه الله، حين تكون قادرًا حقًا على أداء واجبك ، قد يكون حيلة من حيل النفس لِتَصُدَّك عن الطاعة.

لقد شرع الله في الإسلام، برحمته، رُخصًا وتخفيفات لعباده؛ فمَن وجد نفسه في عجز حقيقي، يسر الله له الاستفادة من هذه الرخص.

تُشكل هذه التخفيفات، بالنسبة لعامة الناس، تيسيرًا مأذونًا به في الشريعة. أما مَن سلك طريق التربية النبوية، ومع كونه يستفيد هو الآخر من الرخص المشروعة متى استوفى شروطها، فإنه يُربي نفسه على المجاهدة، ولا يجعل من التيسير عادةً تتهرب بها نفسه من بذل الجهد. وبذلك، يتعلم كيف يتسامى فوق ذاته الشخصية مستنيرًا بأنوار التوجه، وغايته الأسمى والوحيدة هي الله سبحانه وتعالى.

⸻

الصَّلَاةُ تُعَلِّمُنَا هَذِهِ الْقَاعِدَة

قال الحبيب المصطفى ﷺ:
«صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»
(رواه البخاري)

فالتخفيف إذن إنما يقع على كيفية أداء الفريضة بحسب الاستطاعة، ولا يعني أن يترك العبد الطاعة بمجرد أن يواجه مشقة ما.

يقول الله تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(سورة البقرة، 2:286)

ويقول الله تعالى:
{وَٱلَّذِينَ جَاهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}
(سورة العنكبوت، 29:69)

لذا، يجب على السالك في طريق التربية النبوية أن يتعلم كيف يُميز بين العجز الحقيقي وبين تراخي النفس وفتورها.

⸻

مِثَالُ الْحَرِيق

قد يقول قائل لنفسه:

«أنا مريض، أنا متعب. ليس لدي القوة للنهوض ولا لبذل المجهود. لذا، لا يمكنني الذهاب إلى مسجد الحي لأداء صلاة الجماعة، ولا القيام بعبادات أخرى».

حسَنًا.

ولكن، لنفترض الآن أن شخصًا طرق بابه فجأة وصاح به:

«أسرع! لقد اندلعت النار في بيتك! المبنى يحترق! اخرج فورًا!»

لو كان هذا الرجل، بسبب إعاقة أو عجز حقيقي، لا يستطيع فعليًا النهوض ولا التحرك بمفرده، فإنه سيبقى في مكانه منتظرًا من يمد له يد العون ليخرج.

هذا هو العجز الحقيقي.

أما لو أنه عند سماع إنذار الخطر، هبَّ هذا الرجل نفسه قائمًا -الذي قال قبل لحظات: “أنا مريض جدًا ومتعب للغاية لدرجة تمنعني من النهوض”- ، ومشى مسرعًا بل وهرول ليخرج من بيته، فعليه حينئذٍ أن يتساءل:

من أين جاءت هذه القوة التي كان يظن أنه فقدها؟

سيكتشف حينها أن ما كان يظنه عجزًا، لم يكن في بعض الأحيان سوى تعب، أو خمول، أو حيلة من حيل النفس.

فإياك أن تخلط أبدًا بين العجز الحقيقي وبين مشقة بذل الجهد.

وإذا كان حرُّ الدنيا أو نارها كافيين لِيُنسياك تعبك ويدفعاك إلى الحركة، فتدبَّر قول الله تعالى:

{وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ}
(سورة التوبة، 9:81)

فإذا كنت تجد القوة للعمل لتنجو من نار الدنيا، فماذا تفعل لتقي نفسك من نار الآخرة؟

⸻

لَا تَعْتَمِدْ عَلَى قُوَّتِكَ الذَّاتِيَّة

إليك قاعدة مهمة جدًا في حياتك:

لا تعتمد على نفسك ولا على قدرتك الخاصة. أرح قلبك بالتوكل على الله، وابذل الجهد الذي يسَّره لك.

وعندما تقول لك نفسك:

«أنا لا أستطيع»،

لا تستسلم فورًا لحكمك الشخصي، بل تدبر هذه الكلمة:

«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»

فقد علمنا الحبيب المصطفى ﷺ أن:

«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»

هي «كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ».

(رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما)

لا تتكل على قوتك الخاصة: بل أقرَّ بأن كل قوة إنما هي من الله، واسأله سبحانه أن يمنحك القوة لأداء ما يرتضيه منك.

فالعبد يبذل الجهد، ولكن القوة التي يعين بها على هذا الجهد هي من الله وحده.

⸻

كُلُّ شَيْءٍ هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَة

يقول الله تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}
(سورة يونس، 10:58)

بناءً على ذلك، لا تنسب لنفسك قوةً ولا قدرةً ولا توفيقًا.

فكل خير إنما هو بفضل الله وبرحمته.

أنت لا تفارق حالا إلا بالله.
ولا تؤدي طاعةً إلا بالله.
ولا تجاهد نفسك إلا بالله.
ولا تثبت على الطريق إلا بالله.

فابذل الجهد المطلوب منك، ولكن لا تُعلِّق قلبك أبدًا بجهدك؛ بل علِّق قلبك بالله وحده.

⸻

اللهم صلّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحقّ بالحقّ، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم.

العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني (قدس الله سره)،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني