الْجُهْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ — سورة النساء الآيتان 95-96
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
⸻
كلام الله تعالى
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
القرآن الكريم، سورة النساء، الآيتان 95–96.
⸻
ما قاله العلماء
الطبري
يُبيّن الطبري أن الآية تميّز بين المؤمن القادر الذي يتخلّف عن المشاركة، وبين من يبذل ماله ونفسه فعليًّا في القتال المشروع في سبيل الله.
لكن الله تعالى استثنى صراحةً:
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
ويذكر الطبري من ذلك حالة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان أعمى.
⸻
ابن كثير
وينقل ابن كثير أيضًا، عن البخاري، أنه لما نزل قول الله تعالى:
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ذكر ابن أم مكتوم رضي الله عنه عذره وعجزه، فنزل التقييد والبيان:
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
وهذا يدل على أن شريعة الله تراعي قدرة العبد الحقيقية واستطاعته.
⸻
القرطبي
وينقل القرطبي كذلك هذه القصة المتعلقة بسبب النزول، ويشرح أن الضَّرَر هو العجز أو العاهة التي تشكّل مانعًا حقيقيًّا.
فالله تعالى لا يجعل في المنزلة نفسها من يملك القدرة على العمل ولكنه يتخلّف عنه، ومن كان عاجزًا حقيقةً عن القيام به.
⸻
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ
قال الله تعالى:
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ
ويشرح الطبري أن الْحُسْنَىٰ هنا تعني الجنة.
فالآية تبيّن تفاوت درجات الفضل، مع تذكيرها بالثواب الموعود للمؤمنين المعنيين.
ثم قال الله تعالى:
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
⸻
موعظة
هذه الآيات وردت، في معناها الأول وسياقها، في ميدان الجهاد والقتال المشروع في سبيل الله والذين يشاركون فيه بأموالهم وأنفسهم.
ولكن يمكننا أيضًا أن نستخلص منها درسًا إيمانيًّا عامًا، من غير أن نخلط بين هذا المعنى التربوي وبين المعنى الفقهي الأصلي للآية:
إن السير إلى الله يحتاج إلى جهد.
فالقرب من الله لا يُطلب بالكلمات والتمنيات وحدها.
بل يجب على العبد أن يجاهد نفسه ويتغلب على الكسل والتراخي، وأن يبذل ما في استطاعته، بحسب القدرة التي آتاه الله إياها.
فقد يحتاج المرء أحيانًا إلى ترك عادة من أجل الله.
وقد يحتاج أحيانًا إلى التخلي عن شهوة من أجل الله.
وقد يحتاج أحيانًا إلى الإنفاق من ماله من أجل الله.
وقد يحتاج أحيانًا إلى الصبر على مشقة من أجل الله.
وعليه أن يجاهد في نفسه باستمرار لدفع كل ما يصرف قلبه عن محبوبه ومعبوده.
ومع ذلك، فإن الله تعالى يعلم قدرة كل واحد منا علمًا تامًّا. فمن كان عاجزًا حقيقةً، ليس كمن يملك القدرة والوسائل على العمل ولكنه يختار البقاء في حالة من التقاعس.
فلنتأمل إذن في الثواب الذي وعد به المحبوب:
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
وهذا هو الدرس:
الجهد من العبد، أما الرفعة والترقي فهي فضل من الله.
نحن نبذل الجهد بما أعطانا الله.
ونتقدم إليه بما منَّ به علينا.
لكن الدرجات والمغفرة والرحمة لا تأتي إلا منه سبحانه.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين، الذين لا يقفون ساكنين عندما تُفتح لهم أبواب الخير، والذين يجاهدون أهواءهم وغفلتهم، ويوجّهون أموالهم وأنفسهم وقلوبهم إلى طلب رضاه.
⸻
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني (قدس الله سره)،
محمد المنصور المحيي الدين التجاني
