سِرُّ القَلْبِ فِي العِبَادَةِ
حوار بين الشيخ والمريد
سر القلب في العبادة
سأل المريد شيخه يوماً :
- يا سيدي، لماذا بعض الأدعية تصعد إلى السماء كالنور، بينما أدعية أخرى تبقى معلقة ولا تجد طريقها ؟
فأجاب الشيخ :
- اسمع هذه القصة، فإن فيها سراً من أسرار القلب.
في يوم من الأيام، رأى نبي الله موسى عليه السلام راعياً جاثياً على الأرض.
كانت ذراعاه ممدودتين ويداه مفتوحتين نحو السماء.
وكان جسده يرتجف خشوعاً وهو يدعو ربه بإلحاح.
فاقترب منه موسى وسأله :
- ما حالك ؟
فأجاب الراعي بصوت متعب :
- يا نبي الله، منذ سنوات وأنا أدعو ربي.
أناديه بلا انقطاع، ولكني لم أُستجب بعد.
فتوجه موسى عليه السلام إلى الله وقال :
- يا رب، لقد رأيت خشوع عبدك وحرارة دعائه.
فما سبب رد دعواته ؟
فأوحى الله إليه :
- يا موسى، لو بقي على هذه الحال من العبادة سبعين سنة، لما تغير من حاله شيء.
فقال موسى :
- ولماذا يا رب ؟
فأجابه الله :
- لأن جسده معي، وقلبه مع غنمه.
هو واقف أمامي بأعضائه، لكن قلبه مشغول بأغنامه وبهموم الدنيا.
ثم قال الله :
- قل له أن يتوب وأن يطهر قلبه.
وأن يقف بين يدي بقلب متوجه بكليته إلى جلالي.
فإن العبد الحقيقي ليس من يقف أمامي بجسده،
بل من يقف في حضرتي بقلبه.
فإذا تطهر قلبه وأخلص توجهه إلي،
استجبت دعاءه.
وأقول له :
“لبيك يا عبدي.”
فسكت المريد لحظة ثم سأل :
- يا سيدي، ماذا نستفيد من هذه القصة ؟
فأجاب الشيخ :
- اعلم أن كثيراً من الناس يقفون أمام الله بأجسادهم،
وقلوبهم تطوف في أعمالهم ومصالحهم.
والله لا ينظر إلى الحركات وحدها،
بل ينظر إلى القلوب.
فإذا حضر قلبك بين يديه،
فإن دعوة واحدة قد تفتح أبواب السماء.
وأما إذا غاب قلبك،
فإن ألف دعوة تبقى بلا صدى.
ثم ختم الشيخ بقوله :
- فطهر قلبك قبل أن ترفع يديك.
فإن مفتاح الإجابة ليس في طول الدعاء،
بل في حضور القلب بين يدي سيده ومولاه.
وإذا توجه القلب بصدق إليه، انفتحت أبواب السماء.
واعلم أنه لا معبود بحق إلا الله،
رب العالمين.
⸻
اللهمّ صلِّ على سيّدنا محمد،
الفاتح لما أُغلق، والخاتم لما سبق،
ناصر الحقّ بالحقّ، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم.
العبد الفقير إلى الله وتلميذ سيدنا الشيخ أحمد التجاني قدس الله سره؛
محمد المنصور المحيي الدين التجاني.
